مقالات

حين يصنع التشكيل فرقًا في المعنى: ” مَقام ” و ” مُقام ” في القرآن : [ مَقام إبراهيم نموذجًا ]

حين يصنع التشكيل فرقًا في المعنى: ” مَقام ”  و      ” مُقام ” في القرآن : [ مَقام إبراهيم نموذجًا ]

المقدمة :

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]

لا يصح أن نبدأ فهم مَقام إبراهيم من الحجر المعروف أو الأثر المنسوب إلى القدم، ثم نُسقط هذا التصور على الآية. فالمنهج الدلالي القرآني يقتضي أن نبدأ من استعمال كلمة مقام في القرآن نفسه.

والسؤال المركزي هنا:

هل المقام في القرآن يعني حجرًا أو أثر قدم؟ أم يعني منزلة، موضع قيام، موقعًا وظيفيًا، أو حالة ثابتة يقوم عليها الإنسان في علاقته بالله والناس؟

عند تتبع موارد الكلمة، يظهر أن المقام ليس أثرًا ماديًا لقدم، بل هو موضع قيام أو منزلة أو حالة استقرار وظيفي. وبناءً على ذلك، يكون مقام إبراهيم هو منزلة إبراهيم ومنهجه وموقعه في العبادة والتوحيد والقيام لله، لا حجرًا يُقصد لذاته.

أولًا: تعريف المقام قرآنيًا

المَقام من القيام، لكنه ليس الوقوف الجسدي. بل يدل على: الموضع أو المنزلة أو الحالة التي يقوم فيها الإنسان قيامًا ثابتًا، ويتحدد بها موقعه ووظيفته ودرجته.

فالمقام قد يكون:

  • منزلة عند الله.
  • موضع قيام ومسؤولية.
  • حالة استقرار ومصير.
  • موقعًا وظيفيًا يقوم فيه الإنسان مقام غيره.
  • مرتبة أو وضعًا يُقاس به الإنسان أو الجماعة.

إذن: المَقام قرآنيًا هو موقع قيامٍ ثابت، تتحدد به منزلة الإنسان أو وظيفته أو مصيره أو موقعه داخل نظامٍ معيّن.

ثانيًا: آيات المقام في القرآن

  1. مقام إبراهيم

قال تعالى:

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ البقرة: 125

وقال تعالى:

﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ آل عمران: 97

في الآيتين لا يوجد ذكر لحجر، ولا قدم، ولا أثر محفور. الموجود هو مقام إبراهيم. وإبراهيم في القرآن ليس مشهورًا بموضع قدمه، بل بمنزلته في التوحيد:

﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ آل عمران: 67

 

فمقام إبراهيم هو مقام الحنيفية، والتوحيد، والبراءة من الشرك، والقيام لله وحده. وعليه، فمعنى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ، ليس: اجعلوا حجرًا موضع صلاة طقوسية ، بل: اجعلوا من منزلة إبراهيم ومنهجه في القيام لله طريقًا للصلاة؛ أي اجعلوا صلاتكم منطلقة من مقام إبراهيم: التوحيد، والخلوص، وترك الشرك، والتوجّه لله وحده.

ثالثًا: معنى «من مقام إبراهيم «

وجود مِن في قوله: ﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ مهم جدًا. فالآية لم تقل: واتخذوا مقام إبراهيم مصلّى ، بل قالت: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى . وهذا يدل على أن المقام ليس شيئًا ماديًا واحدًا يُؤخذ كله، بل هو منزلة ومنهج يُؤخذ منه طريقٌ للصلاة.

أي: خذوا من قيام إبراهيم لله، ومن توحيده، ومن حنيفيته، ومن براءته من الشرك، طريقًا تتوصلون به إلى الصلاة الحقة.

فـ المصلّى هنا ليس موضع جسدي للصلاة، بل طريق اتصال وتوجّه وضبط، لأن الصلاة في القراءة التشغيلية ليست حركة جسدية فقط، بل نظام صلة وضبط وقيام لله.

رابعًا: «ومن دخله كان آمنًا «

قال تعالى:

﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ آل عمران: 97

مقام إبراهيم إحدى الآيات البينات في البيت، أما قوله: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ فالمقصود به من دخل البيت.

فالمعنى: في البيت آيات بينات، منها مقام إبراهيم، والبيت نفسه جعله الله موضع أمن لمن دخله.

وعليه، لا يُربط الأمان بالدخول في مقام إبراهيم، بل بالبيت، بينما يبقى مقام إبراهيم آية قائمة فيه ودلالة على قيام إبراهيم ووظيفته في التوحيد وبناء البيت.

والبيت الحرام في القرآن هو منظومةُ قواعد تشريعية عليا، إيجابًا ونهيًا، تُجسِّد المرجعية الإلهية في أعلى صورها، وقد أُحيطت بسور تحريم محكم وسياج مانع يحول دون الاقتراب من حدودها أو اختراقها أو خرقه

خامسًا: آيات المقام ومعناها

  1. ﴿مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾

قال تعالى:

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ الإسراء: 79

المقام هنا ليس مكانًا، بل منزلة رفيعة محمودة يبلغها الرسول. فهذا يؤكد أن المقام في القرآن يدل على مرتبة ومنزلة.

  1. ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾

قال تعالى:

﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ مريم: 73

هنا المقام يعني المنزلة والوضع الاجتماعي والمكانة الظاهرة. فالكفار يحتجّون بالمظهر: نحن خير مقامًا، أي أعلى منزلة وأقوى حضورًا.

  1. ﴿إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي﴾

قال تعالى:

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾

يونس: 71

 

مقامي هنا لا تعني مكان وقوفي، بل موقفي، ومنزلتي، وقيامي فيهم بالتذكير. أي: إن كان ثقل عليكم موقعي الرسالي وقيامي بينكم بآيات الله.

4.﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾

قال تعالى:

﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾

المائدة: 107

هنا المقام يعني الموقع الوظيفي أو موضع المسؤولية.

أي: يقومان بدلًا منهما في نفس موضع الشهادة والمسؤولية. وهذا مهم جدًا؛ لأن المقام هنا ليس مكانًا ماديًا، بل موضع وظيفة وحجية ومسؤولية.

  1. ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾

قال تعالى:

﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ إبراهيم: 14

مقام الله هنا لا يعنى مكان الله – تعالى الله عن ذلك – بل يعني مقامه في الحكم والسلطان والمرجعية والمحاسبة. فمن خاف مقام الله، خاف موقع الله الحاكم فوق كل سلطة، وخاف قيامه على الخلق علمًا وحكمًا وجزاءً.

6.﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

قال تعالى:

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ الرحمن: 46

وقال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾

النازعات: 40

مقام الرب هنا ليس مكانًا، بل مقام الربوبية والحكم والرقابة والمحاسبة. فالخوف من مقام الرب يعني إدراك منزلة الرب الحاكمة فوق النفس والهوى.

  1. ﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾

قال تعالى:

﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ الصافات: 164

المقام هنا هو موضع وظيفي معلوم داخل النظام.

أي: لكلٍّ موقعه ورتبته ووظيفته، لا يتجاوزها.

 

 

  1. ﴿قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾

قال تعالى:

﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾

النمل: 39

المَقام هنا هو الموقع الذي كان سليمان قائمًا فيه بوظيفة الحكم والتدبير وإدارة الأمر، وليس موضع جلوس جسدي. فقوله: ﴿قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ يعني: قبل أن تنهي قيامك بهذا الشأن وتغادر موقع مباشرة الأمر.

فالآية لا تقيس الزمن بالساعات، بل بمدة بقاء سليمان قائمًا في مقامه السلطاني الذي تُعرض فيه القضايا وتُتخذ فيه القرارات.

  1. ﴿مَقَامٍ أَمِينٍ﴾

قال تعالى:

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ الدخان: 51

المقام هنا حالة إقامة آمنة ومصير مضمون. فهو موضع أمان واستقرار.

10.﴿مَقَامٍ كَرِيمٍ﴾

قال تعالى:

﴿وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ الشعراء: 58

وقال تعالى:

﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ الدخان: 25-26

المقام الكريم هنا يدل على منزلة معيشية وسلطانية وموضع نعمة ورفعة. ليس مكان، بل وضع كريم قائم عليه أصحاب السلطان والنعمة.

11.. ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾

قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ الأحزاب: 13

نلاحظ أن لفظ ﴿مُقَام﴾ جاء هنا بضم الميم، وهو يدل على موضع الإقامة والاستقرار المحسوس. وعليه فالمعنى: لا مكان لكم تقيمون وتثبتون فيه، فلا بقاء لكم في هذا الموضع.

12.﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾

قال تعالى عن جهنم:

﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ الفرقان: 66

وقال عن الجنة:

﴿خَالِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ الفرقان: 76

هنا المُقام ( بضم الميم) يعني محل الإقامة والمصير والاستقرار.

 

سادسًا: الفرق بين مَقام ومُقام

وعليه ، يمكن ضبط الفرق الدلالي هكذا:

مَقام

يدل على:

  • المنزلة.
  • موضع القيام.
  • الموقع الوظيفي.
  • المرتبة.
  • مقام الحكم أو العبادة أو المسؤولية.

مثل: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ، ﴿مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ ، ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ ، ﴿مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ ، ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾

 

مُقام

يدل غالبًا على:

  • محل الإقامة.
  • موضع الاستقرار.
  • المصير.
  • حالة البقاء.

مثل:

﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ ، ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾و﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾

لكن يجب التنبيه أن الفرق ليس شكليًا فقط، بل سياقي:

-مَقام أقرب إلى المنزلة والقيام الوظيفي.

-ومُقام أقرب إلى محل الإقامة والاستقرار.

سابعًا: لماذا مقام إبراهيم ليس الحجر الموجود؟

لأسباب قرآنية واضحة:

1.القرآن لم يقل: أثر قدم إبراهيم

لو كان المقصود حجرًا أو قدمًا منحوتة، لكان النص بيّن ذلك. لكنه قال: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ ، والمقام في القرآن، كما رأينا، يدل على المنزلة والقيام والموقع الوظيفي، لا على أثر قدم.

 

 

  1. إبراهيم في القرآن معروف بالمنهج لا بالأثر المادي

إبراهيم في القرآن هو:

  • الحنيف.
  • غير المشرك.
  • الذي ابتلاه ربه بكلمات فأتمهن.
  • الذي أسلم وجهه لله.
  • الذي حاجّ قومه.
  • الذي تبرأ من الأصنام.
  • الذي جعل الله في ذريته الكتاب.
  • الذي صار إمامًا للناس.

قال تعالى:

﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ البقرة: 124

فالآية التي قبل مقام إبراهيم مباشرة تتكلم عن الإمامة والابتلاء والكلمات، لا عن حجر ولا أثر قدم. إذن السياق نفسه يقول إن مقام إبراهيم هو مقام الإمامة والقيام والابتلاء والتوحيد.

  1. قوله: ﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يمنع حصره في شيء مادي

لو كان المقام حجرًا مخصوصًا، لكان التعبير: اتخذوا مقام إبراهيم مصلّى. أما قوله: ﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾

فيفتح المعنى إلى الأخذ من مقامه ومنهجه ومنزلته.

  1. ربطه بالمصلّى لا يعني موضع سجود جسدي فقط

إذا كانت الصلاة في القرآن نظام صلة وضبط وقيام، فالمصلّى ليس  بقعة، بل طريق توصل واتصال.

فالمعنى: اتخذوا من مقام إبراهيم طريقًا للصلاة؛ أي اجعلوا صلاتكم مؤسسة على مقام الحنيفية والتوحيد والخلوص لله.

  1. ومن دخله كان آمنًا» لا يستقيم على الحجر «

الأمان لا ينتج من دخول حجر ولا من ملامسة أثر قدم.

الأمان ينتج من دخول المنظومة المرجعية : التوحيد، البراءة من الشرك، القيام لله، والخضوع للمرجعية الإلهية.

تابعنا على التطبيق
أندرويد –تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى