مقالات

🚨 لماذا أثبتت رواية حفص عن عاصم كلمة ﴿هُوَ﴾ في آية الحديد 24… بينما جاءت رواية ورش عن نافع بدونها؟ هل نحن أمام اختلاف لفظي فقط… أم أمام مفتاح يكشف منطق السياق نفسه؟

آية الحديد 24 وضرورة حضور ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾: دراسة دلالية في ترجيح بناء رواية حفص على رواية ورش

آية الحديد 24 وضرورة حضور ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾: دراسة دلالية في ترجيح بناء رواية حفص على رواية  ورش

( في مصحف المدينة المطبوع على رواية حفص عن عاصم رقم الآية 24 , وفي المصاحف المطبوعة على رواية ورش عن نافع رقم الآية 23 )

ينطلق هذا البحث من فرضية دلالية مفادها أن وجود ضمير الفصل ﴿هُوَ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ في سورة الحديد: 24 ليس زيادة شكلية، ولا تابعًا آليًا لمجيء اسمين من أسماء الله في خاتمة الآية، بل هو ضرورة بنيوية يفرضها السياق لأن الآية تعالج وَهْم البخل والتولي والاستغناء، فجاءت ﴿هُوَ﴾ لتحصر الغنى والحمد في الله وتقطع توهم الغنى عن البخلاء والمتولين. ومن هنا يسعى البحث إلى بيان أن قراءة حفص في هذا الموضع أتمّ اتساقًا مع البناء الدلالي للسياق من قراءة ورش التي تأتي بغير ﴿هُوَ﴾، وذلك من خلال التفريق بين خواتيم الأسماء التي تقرر الصفة، والخواتيم التي تحصرها وتردّ بها الوهم.

أولًا: نوعان من خواتيم الأسماء

عندنا نمطان كبيران:

النمط الأول: خاتمة باسمين بدون ﴿هُوَ﴾

مثل:

  • ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
  • ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
  • ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
  • ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
  • ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
  • ﴿وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
  • ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
  • ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

هذا النمط وظيفته في الغالب:

” تقرير الصفة المناسبة للحكم السابق “.

أي أن الآية تعرض حكمًا أو توجيهًا أو تشريعًا، ثم تختم باسمين يبينان أن هذا الحكم صادر عن علم، أو حكمة، أو رحمة، أو مغفرة، أو عزة.

مثال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

المعنى: الحكم السابق منسجم مع مغفرة الله ورحمته.

ومثال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

المعنى: الحكم السابق مبني على علم وحكمة.

هنا لا توجد مقابلة مباشرة مع طرف يتوهم أنه يملك هذه السمة أو ينازع الله فيها، لذلك لا يحتاج السياق إلى ضمير فصل.

ثانيًا النمط الثاني: خاتمة باسمين مع ﴿هُوَ﴾

مثل:

  • ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾
  • ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾
  • ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾
  • ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾
  • ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾
  • ﴿وَهُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾
  • ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾
  • ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾
  • ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾
  • ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ﴾

هذا النمط لا يكتفي بتقرير السمة، بل يضيف وظيفة أخرى:

“التعيين، والحصر، وردّ مركز السمة إلى الله وحده”.

فـ ﴿هُوَ﴾ هنا ليست حشوًا، بل ضمير فصل يفصل بين الموصوف وغيره، ويمنع أن تُفهم السمة على أنها مجرد وصف عام.

حين يقول: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾

فالمعنى ليس فقط: الله عزيز حكيم . بل: هو المتحقق بالعزة والحكمة في هذا الموضع، لا القوى التي يظن الناس عزتها، ولا التدبير الذي يظن الناس حكمته.

وحين يقول: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾

فالمعنى ليس مجرد أن الله يسمع ويعلم، بل هو وحده المرجع المحيط بالقول والنية والباطن، فلا يخرج شيء عن سمعه وعلمه.

ثالثًا: القاعدة النظرية

القاعدة التي يمكن اعتمادها:

الخاتمة باسمين من أسماء الله
بدون ﴿هُوَ﴾ تأتي غالبًا لتقرير سمة مناسبة للحكم أو الحدث السابق.

أما:

مع ﴿هُوَ﴾ فتأتي عندما يريد النص تثبيت السمة في الله تثبيتًا حاصرًا، أو ردّ وهم، أو نقل مركز القوة أو الغنى أو العلم أو الحكم من غير الله إلى الله.

بصياغة أدق:

بدون ﴿هُوَ﴾:تقرير سمة.

مع ﴿هُوَ﴾:تقرير سمة + حصر + قطع وهم + تثبيت مرجعية.

رابعًا: تطبيق القاعدة على الحديد 24

قال تعالى:

﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾

السياق هنا ليس حكمًا عاديًا يختم باسمين مناسبين فقط ، بل عندنا أربعة عناصر:

١يبخلون : أي يمسكون المال ويظنون أن الإمساك يحفظ لهم الغنى.

٢ويأمرون الناس بالبخل : أي يحاولون تحويل البخل من سلوك فردي إلى نظام اجتماعي.

٣ومن يتولَّ : أي يعرض عن مقتضى الإنفاق والاستجابة.

٤فإن الله هو الغني الحميد : أي أن توليهم وبخلهم لا يضر الله، ولا يجعلهم هم أهل الغنى الحقيقي.

هنا توجد مواجهة مباشرة بين وهمين:

وهم الغنى عند البخيل ، ووهم الحاجة في أمر الله بالإنفاق.

فالبخيل يتصرف كأن المال مصدر غناه. والذي يتولى يتصرف كأن الله أو مشروع الحق محتاج إلى إنفاقه.

فتأتي ﴿هُوَ﴾ لتنسف الوهمين:

الله هو الغني، لا أنتم.

الله هو الحميد، لا يحتاج إلى حمدكم ولا إلى مالكم ولا إلى استجابتكم.

إذن وجود ﴿هُوَ﴾ هنا ليس تابعًا فقط لوجود اسمين، بل لأن المقام مقام حصر ومقابلة.

خامسًا: لماذا يصعب دلاليًا حذف ﴿هُوَ﴾ في قراءة حفص؟

لو قلنا ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ ، فالعبارة تقرر السمة فقط. لكن السياق يحتاج أكثر من تقرير السمة لأنه يعالج بخلًا وتوليًا ووهم استقلال بالمال.

لذلك جاءت: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ ، أي: أنتم تبخلون، لكنكم لستم أغنياء على الحقيقة. تأمرون الناس بالبخل، لكنكم لا تملكون نظام الرزق. تتولون، لكن توليكم لا ينقص الله شيئًا. فالله هو الغني الحميد.

فـ ﴿هُوَ﴾ هنا تنقل الخاتمة من:

تقرير: الله غني حميد.

إلى:

حسم: الله وحده هو الغني الحميد في مواجهة وهم البخل والتولي.

سادسًا: مقارنة مع الخواتيم التي لا تأتي فيها ﴿هُوَ﴾

خذ مثلًا: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، لا يوجد في الغالب طرف يدّعي أنه مصدر المغفرة والرحمة ليأتي النص فيحصرها ضده.

وخذ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ، الخاتمة تعلل الحكم: الله يعلم ويحكم بحكمة.

أما في الحديد 24 فهناك طرف ظاهر في السياق:

﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ : وهؤلاء يمارسون سلوكًا قائمًا على وهم الغنى والامتلاك. لذلك لا يكفي أن يقال: الله غني حميد، بل الأنسب بنيويًا:

﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾

لأن الضمير يعيد مركز الغنى والحمد إلى الله وحده.

سابعًا: النظرية المحكمة:

إذا جاءت خاتمة الآية باسمين من أسماء الله بلا ﴿هُوَ﴾، فهي غالبًا خاتمة تقريرية تعليلية، تُثبت أن الحكم السابق جارٍ على مقتضى ذلك الاسمين.

أما إذا جاءت الخاتمة باسمين مع ﴿هُوَ﴾، فهي خاتمة حصرية تفصل بين الله وغيره، وتردّ وهمًا أو دعوى أو اعتمادًا باطلًا، وتعيد مركز السمة إلى الله وحده.

وعليه:

آية الحديد 24 تحتاج ﴿هُوَ﴾ في قراءة حفص لأن السياق ليس مجرد بيان سمة، بل مواجهة وهم البخلاء والمتولين فهم يتصرفون كأن المال مصدر الغنى، فجاء النص ليقول: الله هو الغني الحميد.

الخلاصة النهائية

في الحديد 24، وجود ﴿هُوَ﴾ في قراءة حفص دقيق جدًا لأن الآية تواجه البخل والتولي، وهما مبنيان على وهم الغنى والاستغناء. فجاءت الخاتمة لا لتقول فقط إن الله غني حميد، بل لتقول:

الغنى الحقيقي والحمد الكامل لله وحده، لا للبخلاء ولا لأموالهم ولا لمن تولّى.

تابعنا على التطبيق
أندرويد –تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى