مقالات

البعوضة في القرآن: حين حوَّل التشخيصُ الدلالةَ إلى حشرة

البعوضة في القرآن: حين حوَّل التشخيصُ الدلالةَ إلى حشرة

من المواضع التي تكشف بوضوح أثر التشخيص في قراءة ألفاظ القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.

فقد استقر في القراءة الموروثة أن «البعوضة» هنا هي الحشرة المعروفة، ثم أصبح السؤال: لماذا اختار الله هذه الحشرة بالذات؟ وما المقصود بما فوقها؟

ومن هنا بدأت رحلة البحث خارج النص: قيل إن المقصود ما هو أكبر من البعوضة، وقيل ما هو أصغر منها، ثم ظهرت محاولات حديثة تربط الآية بكائنات مجهرية أو طفيليات تعيش فوق البعوضة أو عليها، وتُستدعى أحيانًا أقوال منسوبة إلى «علماء» أو «اكتشافات حديثة» لتأكيد أن القرآن سبق العلم إلى اكتشاف كائن فوق البعوضة.

لكن قبل البحث عن كائن فوق الحشرة، ينبغي طرح السؤال الأسبق: هل قال القرآن أصلًا إن «بعوضة» هنا اسم للحشرة المعروفة؟ فهنا تظهر مشكلة التشخيص: أن يُحمَل اللفظ مباشرة على مصداق مألوف خارج النص، ثم يُعاد تفسير بقية التركيب على أساس هذا التشخيص، بدل أن تُستخرج دلالة اللفظ من بنيته وسياقه أولًا  من «بعض» إلى «بعوضة»

لفظ ﴿بَعُوضَةً﴾ يستحق أن يُقرأ من داخل بنيته، لا أن يُغلق معناه ابتداءً على الاسم المتداول للحشرة. فالمجال الذي يفتحه «بعض» هو الجزئية والانقسام والاقتطاع من الكل: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ ، ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾ ، ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.

فـ«البعض» ليس كيانًا مستقلًا في ذاته، وإنما جزء يُنظر إليه بالنسبة إلى كلٍّ أكبر منه.

ومن هذا المجال الدلالي يمكن اختبار قراءة ﴿بعوضة﴾ بوصفها دالة على بعضٍ بالغ الدقة أو جزء يسير جدًا، بدل إغلاقها ابتداءً على اسم الحشرة المتداول . وعندئذ يصبح اختيار اللفظ منسجمًا مباشرة مع وظيفة الآية: الله لا يمتنع أن يجعل موضع المثل شيئًا مهما بلغ من الضآلة، وصولًا إلى بعضٍ دقيق من البنية، ثم ما فوق ذلك.

وهذا يختلف جذريًا عن القراءة التي تبدأ بالحشرة ثم تبحث بعد ذلك عمّا يعيش فوقها.

لماذا قال: ﴿مَثَلًا مَّا﴾؟

ذالآية لم تقل: «أن يضرب مثل البعوضة» ، بل قالت:

﴿أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾. فالتركيب نفسه يفتح المثل ولا يحصره في كائن مشخص بعينه.

﴿مَثَلًا مَّا﴾ يفتح مجال التمثيل، ثم تأتي ﴿بَعُوضَةً﴾ عند الحد المتناهي في الضآلة، ثم يمتد المجال: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾. أي إننا أمام سُلَّم مقداري، لا أمام درس في علم الحشرات.

القضية ليست: بعوضة، ثم مخلوق آخر يعيش عليها. بل: لا يمتنع المثل مهما كان الشيء الذي يُجعل محلًا له دقيقًا أو يسيرًا، فما فوق ذلك.

﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ لا ﴿فَمَن فَوْقَهَا﴾

وتزداد هذه القراءة قوة من اختيار القرآن: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾.

فالآية لا تبني مقابلة بين كائن حي وكائن حي آخر، ولا تقول: «فمن فوقها»، وإنما تستعمل ﴿ما﴾ التي تبقي مجال الإحالة مفتوحًا، ولا تحصره في ذوات عاقلة أو كائنات حية.

وهذه قرينة مهمة لأن المثل لا ينحصر بذلك في عالم الأحياء أصلًا. ولو كان المقصود بناء سلسلة من المخلوقات الحية، لكان علينا أن نسأل: لماذا جاء التعبير بهذه الصيغة المفتوحة؟ أما إذا قُرئت ﴿بعوضة﴾ بوصفها حدًا من الجزئية والدقة ، فإن: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ تصبح طبيعية جدًا: أيّ شيء ابتداءً من هذا الحد الدقيق فما فوقه يمكن أن يكون مادةً للمثل.

وما معنى «فوقها»؟

المشكلة الثانية التي ولدها التشخيص أن «فوق» تحولت إلى موقع مكاني فوق جسم البعوضة.

فبدأ البحث: ماذا يوجد فوق البعوضة؟ هل هناك طفيلي فوقها؟ هل اكتشف المجهر كائنًا يعيش على جسدها؟ هل هناك شيء أصغر منها محمول عليها؟

لكن ﴿فوق﴾ في القرآن لا تنحصر في العلو المكاني؛ فقد تأتي للمكان، وقد تأتي للرتبة والدرجة والمقدار، والسياق هو الذي يحدد نوع الفوقية .ففي قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ تكون الفوقية رتبية. وقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ليست المسألة أن عالمًا يقف جسديًا فوق عالم آخر، بل فوقية في المرتبة والمقدار. ومن ثم فإن ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ لا تلزمنا أصلًا بالبحث عما يقف أو يعيش مكانيًا فوق حشرة، بل يمكن فهمها بوصفها امتدادًا في المقدار والمرتبة من الحد المذكور فما فوقه. وهنا يسقط أصل السؤال الذي أنتج حكاية «الكائن الموجود فوق البعوضة».

المثل ليس درسًا في البعوض

والسياق اللاحق يحسم وظيفة الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.

النزاع إذن ليس حول معلومة بيولوجية : لم يقل الذين كفروا: ما هذه البعوضة؟ ولا: ما الكائن الذي فوقها؟

بل قالوا: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. أي إن موضع الاختبار هو قبول أن الحق يمكن أن يُكشف بالمثل مهما بدت مادته صغيرة أو غير جديرة في نظر المتلقي. فالذي ينظر إلى المثل من خلال حجمه وصورته قد يحتقر مادته، أما الذي ينظر إلى وظيفته فيعلم: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾. ولهذا جاءت النتيجة:﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾. فالمثل نفسه يصبح أداة كشف للمتلقي: هل يبحث عن الحق الذي يحمله، أم يتوقف عند الصورة التي ضُرب بها؟

كيف صنع التشخيص مشكلة لم تكن في النص؟

يمكن الآن رؤية المسار كاملًا. بدأت القراءة بافتراض:

بعوضة تعني الحشرة المعروفة ، وبمجرد تثبيت هذا الافتراض أصبح: فما فوقها = شيء موجود فوق الحشرة. ثم أصبح لا بد من البحث عن ذلك الشيء.

ثم دخل المجهر والطفيليات والكائنات الدقيقة. ثم استُدعيت «الاكتشافات العلمية الحديثة» لتثبيت القراءة الأولى. وهكذا انتقل التفسير من القرآن إلى الحشرة، ومن الحشرة إلى المختبر، ومن المختبر عاد إلى القرآن ليقول: لقد أثبت العلم معنى الآية!

بينما السؤال الذي لم يُطرح منذ البداية هو: من أين ثبت أن القرآن كان يتحدث عن الحشرة أصلًا؟ وهذه بالضبط إحدى أخطر نتائج التشخيص: أن يتحول المصداق المتداول للفظ إلى تعريف قرآني له، ثم يصبح كل ما بعده محاولة للدفاع عن هذا التعريف.

البعوضة نموذج تطبيقي لقاعدة التشخيص

لا تعني هذه القراءة إنكار وجود الحشرة المسماة اليوم «البعوضة»، ولا إنكار أن اللفظ ربما استُعمل تاريخيًا اسمًا لها.

المسألة مختلفة تمامًا: هل الاسم المتداول خارج القرآن يكفي وحده لإثبات أن القرآن أراد ذلك المصداق في هذا الموضع؟ الجواب لا يُؤخذ من المعجم ولا من الصورة الذهنية الشائعة، وإنما من تركيب النص ووظيفته. وفي هذه الآية نجد: ﴿مَثَلًا مَّا﴾

ثم ﴿بَعُوضَةً﴾ ثم ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾. وهو تركيب يتجه من فتح مجال المثل إلى أدنى حد من الجزئية والدقة، ثم يفتح المجال من ذلك الحد فما فوقه. وبذلك لا تعود «البعوضة» بطل الآية.

المثل هو البطل.

والبعوضة تحدد الحد الذي يقول القرآن إن ضآلة الشيء لا تمنعه من أن يحمل دلالة الحق.

التعريف المعياري :

البعوضة في قوله تعالى ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ليست تشخيصًا لحشرة بعينها، وإنما تعبير عن بعضٍ بالغ الدقة والضآلة يُجعل حدًا لمادة المثل ولذلك أعقبها القرآن بـ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ لفتح مجال التمثيل من هذا الحد فما فوقه، دون حصره في نوع من الكائنات أو في عالم الأحياء أصلًا.

ومن هنا تصبح الآية نفسها مثالًا على خطر التشخيص:

فحين شُخِّصت ﴿بَعُوضَةً﴾ في الحشرة المعروفة، تحولت ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ إلى لغز بيولوجي، وأصبح لا بد من البحث عن كائن يوجد فوق الحشرة أو عليها، ثم استُدعي العلم الحديث لتثبيت هذا التصور.

أما حين يُترك اللفظ يعمل داخل بنية الآية، يعود السؤال إلى موضعه الصحيح: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾؟

وعندئذ لا نحتاج إلى كائن مجهري فوق بعوضة، ولا إلى قول منسوب إلى عالم مجهول الاسم ليحدد لنا مراد الآية لأن وظيفة المثل تُستخرج من بنائه وسياقه نفسه.

فالآية لا تجعل قيمة المثل في ضخامة مادته أو صغرها، بل تقرر أن ضآلة ما يُضرب به المثل لا تمنعه من حمل الحق.

ولهذا جاء التعبير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى