
العلاقة الحميمة في القرآن
من الرفث واللباس إلى الحرث والسكن وحدود القرب
حين يُقرأ القرآن في موضوع العلاقة بين الزوجين، يلفت النظر أنه لا يقدّم «دليلًا تقنيًا» للعلاقة الجسدية، ولا يتجاهلها في الوقت نفسه. بل يبني حولها منظومة كاملة من المفاهيم: السكن، واللباس، والرفث، والمباشرة، والحرث، والطهر، والمعروف، والخصوصية، والحدود.
وهذا مهم لأن كثيرًا من القراءات اختزلت هذه الآيات في سؤال واحد: ما المباح وما المحرم؟
بينما النص أوسع من ذلك بكثير ، فهو لا يسأل فقط: هل يقع الفعل؟ بل يسأل: في أي مجال يقع؟ ومتى يقع؟ وما وظيفته داخل الزوجية؟ وما مقدار السعة الممنوحة للزوجين؟ وأين تبدأ الحدود؟ . ومن هنا تصبح العلاقة الخاصة جزءًا من هندسة الحياة الزوجية، لا فعلًا منفصلًا عنها.
أولًا: العلاقة الخاصة تقع داخل «السكن» لا خارجه
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
السكن هنا ليس مجرد مشاركة مكان. فالسكون هو توقف الاضطراب، أما السكن فهو الحالة التي يتحول فيها هذا التوقف إلى استقرار وأمان قابلين للاستمرار.
ولهذا لم يقل: «لتجتمعوا بها» ، ولا: «لتعيشوا معها».
بل: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ ، أي أن الزوجية تنشئ مجالًا ينتقل فيه الإنسان من الاضطراب إلى الاستقرار. وهذا يجعل العلاقة الحميمة جزءًا من منظومة السكن نفسها. فهي ليست فعلًا منفصلًا عن الزوجية ثم أُبيح داخلها، بل إحدى قنوات القرب التي يمكن أن تعزز الاستقرار والتواصل والاحتواء إذا بقيت داخل منظومة المودة والرحمة.
ثانيًا: لماذا لم يقل القرآن «شهوة» وإنما قال «مودة ورحمة»؟
الشهوة لا تحتاج إلى إنشاء تشريعي فهي موجودة في الإنسان أصلًا ، لكن الشهوة وحدها لا تصنع بيتًا.
لهذا قال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ، فالمودة تفتح طريق القرب ، والرحمة تمنع القرب من أن يتحول إلى استغلال ، وبذلك تصبح العلاقة الخاصة جزءًا من توازن أوسع: رغبة دون استباحة ، وقرب دون إذلال ، ومتعة دون تحويل الآخر إلى أداة.
ثالثًا: لماذا ظهر «اللباس» في آية الصيام تحديدًا؟
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾.
وجود جملة: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ في هذا الموضع ليس عرضيًا. فالآية تتحدث عن مرحلة كان فيها ضغط وانضباط، حتى قال بعدها: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. أي أن المنظومة كانت تحتاج إلى إعادة ضبط حتى لا يتحول الانضباط إلى ضغط يفتح باب الاختيان من الداخل.
وهنا أعاد القرآن المجال الأسري إلى وظيفته الأساسية:
اللباس فـــالزوج ليس مجرد شريك في فعل حميم ، والزوجة ليست مجرد محل للرغبة. كل واحد منهما:
﴿لِبَاسٌ﴾ للآخر. واللباس في بنيته القرآنية يؤدي وظائف متعددة: الستر ، الحماية ، الاحتواء ، القرب ، ومنع الانكشاف. ولهذا جاءت التبادلية كاملة: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ ، ثم مباشرة: ﴿وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾. فليس طرفًا مستهلكًا والآخر مستعملًا ، بل بنية حماية وقرب متبادلة.
رابعًا: لماذا لم يقل «الجماع» وقال ﴿الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾؟
الرفث أوسع من اختزاله في الجماع ، فالقرآن استعمل اللفظ أيضًا في الحج: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. وهنا يأتي الرفث في سياق ثلاث حالات سلوكية:
الرفث ، الفسوق ، الجدال. ” فالفسوق “ خروج عن حدود النظام ، والجدال انخراط في نزاع ممتد يفسد وحدة المجال ، والرفث يمكن فهمه بوصفه التبذل والانبساط السلوكي الذي لا يلائم مقامًا جادًا أو عامًا.
ومن هنا لا يكون الرفث جنسيًا بذاته ، بل هناك: رفث في القول ، ورفث في السلوك ، ورفث في الهيئة ، ورفث داخل المجال الحميمي. ولهذا جاء في الصيام: ﴿الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾. فـ﴿إِلَىٰ﴾ وجّهت هذا الرفث إلى المجال الأسري الخاص. أي أن ما لا يليق في المجال العام، أو في ظرف جماعي شديد الانضباط كالحج، قد يكون طبيعيًا ومشروعًا داخل المجال الزوجي الخاص. ومن هنا يمكن أن يشمل الرفث بين الزوجين: المزاح ، الغزل ، اللعب ، الانبساط ، والقرب الجسدي ، وصولًا إلى العلاقة الحميمة.
إذن: الرفث ليس اسمًا للجماع، بل مساحة انبساط خاص قد يدخل الجماع في نطاقها عندما تتجه إلى الزوجة.
خامسًا: لماذا قال ﴿إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾؟
لو كان الرفث جنسيًا بذاته لما احتاج النص إلى توجيهه:
﴿إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾. لكن اللفظ أوسع، ولذلك جاءت «إلى» لتحدد اتجاهه ، فالرفث في الحج ممنوع لأنه يقع في مجال جماعي عام يحتاج أعلى درجات الوقار والانضباط.
أما في المجال الزوجي الخاص: ﴿إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ ، فقد أصبح داخل نطاق مأذون. وهنا نرى الفرق بين: السلوك نفسه من حيث طبيعته ، وبين: المجال الذي يقع فيه. وهذه فكرة حديثة جدًا في الآية: ليس كل سلوك صالحًا لكل زمان ومكان. فما يكون طبيعيًا ومحبوبًا داخل الخصوصية الزوجية قد يصبح مبتذلًا إذا نُقل إلى المجال العام.
سادسًا: الرفث في الحج يكشف معنى الرفث في الصيام
في الحج قال: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
الحج مجال جماعي يحتاج: الوقار ، الانضباط ، التركيز على المنافع ، والقدرة على الاجتماع دون أن يتحول المشهد إلى انفلات أو صراع أو استعراض للخصوصيات. لذلك مُنع الرفث هناك. أما في ليلة الصيام فقد قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ … الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾.
فتظهر قاعدة مهمة: القرآن لا يحاكم السلوك بمعزل عن المجال. فالرفث يمكن أن يكون غير مناسب في المحفل العام، لكنه طبيعي داخل العلاقة الخاصة. وبذلك تصبح الزوجية مساحة شرعية للانبساط الذي لا يصح نقله إلى المجال العام.
سابعًا: لماذا قال بعدها ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾؟
قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
المباشرة من البشرة أي زوال الحائل والدخول في اتصال مباشر ، لكنها في بنيتها أوسع من اسم لفعل واحد. فالإنسان «يباشر الأمر» حين يدخل فيه مباشرة دون وسيط أو حائل. وفي هذا السياق تصبح المباشرة انتقالًا من علاقة معلقة أو مقيدة إلى اتصال خاص مباشر بين الزوجين. وهذا ينسجم مع: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ ، فاللباس هو أقرب ما يلامس الإنسان، والمباشرة هي زوال الوسائط. أي أن القرآن يصور العلاقة الحميمة من جهة: القرب المباشر ، لا من جهة وصف الحركة الجسدية نفسها.
ثامنًا: لماذا جاءت ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بعد المباشرة؟
هذه الجملة تمنع اختزال المباشرة في تفريغ الغريزة.
قال: ﴿وَابْتَغُوا﴾ ، والابتغاء طلب مقصود، لا فعلًا عابرًا.
ثم: ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ، أي أن العلاقة الخاصة لها امتداد أكبر من لحظتها. وقد يدخل فيه: السكن ، المودة ، النسل ، حفظ الأسرة ، إشباع الحاجة المشروعة ، وتحقيق التوازن بين الطرفين. فالمباشرة ليست غاية قائمة بذاتها، بل جزء من حياة زوجية لها آثار ونتائج.
تاسعًا: لماذا يظهر «الحرث» في موضع آخر؟
قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾.
وهذه الآية من أكثر الآيات التي تحتاج إلى قراءة دقيقة؛ لأن التركيز غالبًا يقع على: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ مع إهمال البنية الكاملة.
الحرث هو المجال الذي ينتج منه الإنبات ، وبالتالي فإن القرآن هنا لا يصف المرأة كلها بأنها «حرث»، وإنما يحدد في سياق العلاقة الجنسية وظيفة إنجابية موجودة داخل جسدها ، وهذا يثبت محل الإتيان. لكن الأهم في بحثنا ليس محل الحرث، بل السؤال:
لماذا لم يقل القرآن فقط: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾؟ لماذا أضاف: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾؟
عاشرًا: ما وظيفة ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾؟
إذا كان النص يريد فقط إثبات جواز الإتيان لكان: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ كافيًا لأصل الحكم. لكن القرآن لا يضع لفظًا بلا وظيفة ، لذلك جاءت: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ لتضيف معنى مستقلًا ، و«أنّى» أوسع من «كيف». فكيف تركز على هيئة الفعل ، أما «أنّى» فتفتح: الجهة ، المسار ، الصورة ، وطريقة الوصول بحسب السياق. ومن هنا تكون وظيفتها هنا: تقرير السعة في طريقة الإتيان، لا مجرد أصل الإتيان.
الحادي عشر: التعدد في الطريقة مقصود في النص
هذه نقطة ينبغي ألا تُخفف كثيرًا. فالآية لم تقل: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ وتسكت ، بل قالت: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾. إذن يوجد في النص اختيار مقصود ، ولا يستقيم أن يكون هذا الاختيار بلا أثر. فالمعنى: لا تُحصر العلاقة في هيئة واحدة أو طريقة واحدة أو جهة واحدة ، بل هناك مساحة تنوع يختارها الزوجان داخل العلاقة الخاصة. وهذا يجعل التنوع ليس مجرد أمر سكت عنه القرآن، بل سعة قرآنية منصوصًا عليها.
الثاني عشر: هل يمكن فهم ذلك بوصفه مقاومة للرتابة؟
النص لا يستعمل كلمة «الروتين»، فهي لغة حديثة. لكن النتيجة الإنسانية واضحة: حين يمنح القرآن الزوجين تعددًا في صور القرب وهيئاته، فهو لا يجعل العلاقة الخاصة حركة واحدة جامدة متكررة ، بل يفتح داخلها مجال الاختيار. ومن هنا يمكن القول: التجدد أثر طبيعي للسعة التي قررتها ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾. وهذا مهم في الزواج؛ لأن السكن لا ينتج من مجرد استمرار الشكل القانوني للعلاقة، بل يحتاج إلى تواصل حي ومتجدد.
فالنص يضع الحد، لكنه لا يخنق العلاقة داخله.
الثالث عشر: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ وسلطة الطرفين على شكل العلاقة
اللافت أيضًا أن الآية قالت: ﴿شِئْتُمْ﴾ بالجمع. فالمجال المخاطَب هو الزوجية ، وهذا ينسجم مع: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾. فالقرآن لا يرسم صورة فيها طرف واحد يقرر والآخر مجرد محل للفعل ، بل العلاقة داخل المجال الزوجي تقوم على التبادلية. ومن ثم فإن السعة التي أعطاها النص ينبغي أن تعمل داخل: المودة ، الرحمة ، المعروف ، وعدم الأذى.
الرابع عشر: لماذا يأتي المحيض مباشرة في سياق الحرث؟
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾.
هذا يكشف توازنًا مهمًا جدًا: القرآن يعطي سعة: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ ، لكنه لا يحول السعة إلى انفلات. فالحرية داخل العلاقة تقف عندما يظهر: ﴿أَذًى﴾. وهذه نقطة يمكن اعتبارها قاعدة كبرى في العلاقة الزوجية: حيث يبدأ الأذى تنتهي السعة.
الخامس عشر: لماذا قال ﴿هُوَ أَذًى﴾؟
الآية لم تجعل المنع مبنيًا على تحقير المرأة أو نجاستها كما يفعل اليهود ، بل ذكرت علة وظيفية مباشرة: ﴿هُوَ أَذًى﴾. وهذا مهم جدًا في القراءة الحديثة.
فالمرأة لا تتحول أثناء المحيض إلى كائن ينبغي اعتزاله.
بل هناك حالة جسدية محددة وصفها النص بأنها أذى.
ولهذا جاء الاعتزال: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ ، أي في المجال الذي تتعلق به الحالة، لا في أصل المودة والقرب والعيش الزوجي.
السادس عشر: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ لا تعني عزل المرأة
التحديد بـ: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ حاسم. لم يقل: «فاعتزلوا النساء حين يحضن» ، بل جعل الاعتزال واقعًا ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾. فالمنع وظيفي مرتبط بموضع الأذى وحالته، لا بإقصاء المرأة اجتماعيًا أو عاطفيًا. وبذلك يبقى: السكن قائمًا ، واللباس قائمًا ، والمودة قائمة ، والرحمة قائمة ، لكن صورة معينة من المباشرة تتوقف مؤقتًا.
السابع عشر: لماذا قال ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾؟
القرب أوسع من الفعل النهائي ، وهذا يتكرر في القرآن عندما يريد حماية حد حساس. فالمنع لا ينتظر حصول الضرر، بل ينظم الاقتراب منه. وفي هذا السياق تصبح العلاقة الزوجية مجالًا يراعي الحالة الجسدية للطرف الآخر. وهذا ينقلها من منطق: «ما حقي؟» إلى منطق:
ما الذي يحفظ الطرفين من الأذى؟
الثامن عشر: العلاقة الحميمة ليست حقًا يلغي سلامة الآخر
من أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من آية المحيض أن الزوجية لا تمنح استباحة جسدية مطلقة ، لأن النص نفسه يوقف الوصول عندما توجد حالة أذى.
إذن الجسد لا يخرج من اعتبارات السلامة لمجرد وجود الزواج. وهذا يتكامل مع: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فالخصوصية الزوجية تخضع للمعروف، لا تلغي المعروف.
التاسع عشر: لماذا قال القرآن ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؟
قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. فبعد إزالة الأذى تعود العلاقة ، لكنها تعود داخل نظام. فالعلاقة ليست: رغبة ← تنفيذ ، بل: رغبة ← مجال مأذون ← مراعاة سلامة ← طهر ← عودة.
وهذا ما يميز الحرية القرآنية: السعة تعمل داخل حد، والحد يحمي السعة من أن تتحول إلى اعتداء.
العشرون: لماذا استخدم القرآن «المباشرة» و«الإتيان» و«الرفث»؟
لأن هذه الألفاظ لا تؤدي المعنى نفسه.
الرفث : يصف حالة الانبساط والتبذل الخاص التي قد تشمل القول واللعب والغزل والقرب الجنسي.
المباشرة : تصف زوال الحاجز والدخول في الاتصال المباشر.
الإتيان : يصف الوصول إلى المجال المقصود.
الحرث : يحدد الوظيفة الإنجابية والمحل الذي يتحقق فيه الإنبات.
وهذا التنوع اللفظي يكشف أن القرآن لا ينظر للعلاقة الحميمة باعتبارها فعلًا واحدًا ، بل يراها سلسلة من:
تواصل ، وانبساط ، وقرب ، ومباشرة ، ووصول ، ونتيجة.
الحادي والعشرون: العلاقة الحميمة تبدأ قبل الجماع
وهذه نتيجة مهمة جدًا من مفهوم الرفث. إذا كان الرفث إلى النساء يشمل الانبساط الخاص، فإن العلاقة الحميمية القرآنية أوسع من لحظة الجماع. فقد تبدأ من: الكلام الخاص ، المزاح ، الغزل ، الملاطفة ، التقارب ، ثم المباشرة ، ثم الإتيان. وهذا أكثر انسجامًا مع الطبيعة الإنسانية من اختزال العلاقة في فعل واحد.
ومن هنا يمكن القول إن القرآن يقدم مجالًا حميميًا لا مجرد «عملية جنسية».
الثاني والعشرون: لماذا ارتبط هذا المجال باللباس؟
لأن العلاقة الخاصة تفتح الإنسان في أكثر مناطقه حساسية: جسديًا ، ونفسيًا ، وعاطفيًا. ولهذا تحتاج إلى لباس. أي: ستر ، أمان ، احتواء وثقة. فاللباس هنا ليس استعارة عاطفية جميلة فحسب، بل وصف دقيق لما تحتاجه العلاقة الحميمية لكي تكون سليمة. فالإنسان لا يستطيع الدخول في أعلى درجات الانكشاف إذا لم يشعر أن الطرف الآخر: يستره ، ويحفظه ، ولا يستعمل ضعفه ضده.
الثالث والعشرون: الخصوصية جزء من العلاقة لا أمر ثانوي
قال تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ وذكر أوقاتًا يكون فيها الناس داخل بيوتهم في حالة خصوصية أعلى. وهذا يبين أن القرآن يعترف بوجود مساحة مغلقة داخل البيت نفسه. فليس كل ما يقع داخل البيت متاحًا لأفراده جميعًا. هناك: مجال عام للأسرة ، وداخله مجال خاص بالزوجين. ومن هنا تكون العلاقة الحميمة محمية بنظام استئذان.
الرابع والعشرون: لماذا العورة هنا أوسع من الجسد؟
العورة هي موضع انكشاف قابل للاختراق. ولهذا يمكن أن تكون: جسدية ، أو زمنية ، أو مكانية ، أو خصوصية.
وعندما قال: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ فهو لا يصف عضوًا، بل حالات زمنية يزداد فيها احتمال الانكشاف الخاص.
وهذا يدل على أن القرآن يتعامل مع الخصوصية الزوجية باعتبارها حقًا بنيويًا يجب ألا يُقتحم حتى من داخل الأسرة.
الخامس والعشرون: العلاقة الخاصة ليست شأنًا عامًا
وهنا يعود مفهوم الرفث مرة أخرى. ما يجوز: ﴿إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ ، لا يجوز بالضرورة نقله إلى المجال العام.
وهذا يتسق مع منعه في الحج. فالقرآن يضع فرقًا بين:
الحميمي ، و العام. ومن أكبر أخطاء المجتمعات الحديثة أحيانًا تسييل هذا الحد، بحيث يتحول الجسد والعلاقة الخاصة إلى مادة عرض وتداول دائم. أما البنية القرآنية فتعيد كل مجال إلى مكانه.
السادس والعشرون: العلاقة الحميمة جزء من السكن
حين نجمع: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ و ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ و ﴿الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ و ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ و ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾
تظهر صورة مختلفة جدًا عن الخطاب التقليدي.
العلاقة ليست مجرد «حق زوجي» ، وإنما مساحة سكن جسدي ونفسي وعاطفي. وفيها: انبساط ، وستر ، قرب ، وتنوع ، وتجدد ، وخصوصية.
السابع والعشرون: لكن السعة ليست بلا حدود
في المقابل نجد: ﴿هُوَ أَذًى﴾. ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾. ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾.
﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.إذن العلاقة القرآنية تعمل بمعادلة دقيقة: أقصى قدر من السعة داخل أقصى قدر من الأمان. ليست منظومة كبت ، وليست منظومة انفلات.
الثامن والعشرون: المعروف هو الضابط الأعلى للعلاقة
قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، والمعاشرة أوسع من السكن في مكان واحد. هي تداخل الحياة بين الطرفين ، ومن ثم تدخل العلاقة الحميمة في إطارها.
أما المعروف فهو ما يُبقي العلاقة ضمن: الكرامة ، الرحمة ، السلامة ، القبول المتبادل ، وعدم الضرر. ولهذا فإن أي ممارسة تنقض هذه البنية لا يكفي لتبريرها القول بأنها وقعت «داخل الزواج».
فالزواج ليس إلغاءً للمعروف، بل الإطار الذي يجب أن يعمل فيه المعروف بأعلى درجاته.
التاسع والعشرون: هل يشجع القرآن على التجدد في العلاقة؟
إذا أردنا التعبير بدقة: القرآن لا يقول: «غيّروا حتى لا تملّوا» ، لكن قوله: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ بعد أن كان يمكن أن يكتفي بـ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ يدل على أن التنوع في صور الإتيان مقصود بالسعة التي منحها النص.
إذن التجدد ليس فكرة دخيلة على النص ، بل النص نفسه يرفض حصر العلاقة في هيئة واحدة لازمة. ويمكن أن نفهم من ذلك أن الزوجية لا ينبغي أن تتحول إلى أداء ميكانيكي متكرر، وإنما تبقى مجالًا إنسانيًا حيًا فيه اختيار وتجدد.
الثلاثون: لماذا هذه القراءة مهمة اليوم؟
لأن الخطاب الشائع حول العلاقة الزوجية يتحرك غالبًا بين طرفين: طرف يتحدث عنها باعتبارها حقًا جسديًا للرجل ، وطرف يتعامل معها باعتبارها شأنًا شخصيًا منفصلًا عن أي معيار. أما القرآن فيقدم بنية ثالثة. العلاقة مجال خاص واسع، لكن هذا المجال: متبادل ، محمي ، قابل للتجدد ، محكوم بالمعروف ، ويتوقف عند الأذى. وهذا يجعلها أقرب إلى مفهوم الشراكة الحميمية من مفهوم الاستحقاق الجسدي.
تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن



