هل بُني فهم “الاستواء على العرش” على آية قرآنية… أم على صورة ذهنية موروثة؟
معنى الاستواء في القران

معنى الاستواء في القران
الاستواء في القرآن لا يدلّ على معنى واحد جامد، بل تدور دلالته حول التمام، والاكتمال، والاستقرار في موضع القدرة أو التمكن أو الجاهزية، بحسب السياق الذي يرد فيه.
فالأصل الدلالي للاستواء هو:
انتقال الشيء أو الشخص أو النظام إلى حالة اكتمال واتزان وتمكّن، بحيث يصبح صالحًا لأداء وظيفته أو داخلًا في طور السيطرة والتدبير.
أولًا: الاستواء بمعنى اكتمال النضج
قال تعالى:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسْتَوَىٰٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ القصص: 14
في هذه الآية جاء الاستواء بعد بلوغ الأشد، مما يدلّ على أن المقصود ليس مجرد البلوغ الجسدي، بل اكتمال مرحلة النضج واستقرار القدرة العقلية والنفسية والعملية.
فمعنى: ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسْتَوَىٰ﴾ ، أي: اكتمل بناؤه، واستقرت قابليته، وأصبح مؤهلًا لتلقي الحكم والعلم.
إذن الاستواء هنا هو تمام الجاهزية الإنسانية.
ثانيًا: الاستواء بمعنى التمكن والسيطرة على المركوب
قال تعالى:
﴿لِتَسْتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الزخرف: 13
هنا الاستواء ليس مجرد الجلوس فوق الدابة أو المركوب، بل هو حصول التمكن منه، بحيث يصبح الإنسان مستقرًا عليه، قادرًا على الانتفاع به وتوجيهه.
فالدابة أو وسيلة النقل لا تكون نافعة للإنسان بمجرد وجودها، بل حين تُذلَّل وتتهيأ، ثم يستقر الإنسان عليها ويتمكن من استخدامها.
إذن الاستواء هنا هو تمام التمكن من الوسيلة بعد تهيئتها.
ثالثًا: الاستواء بمعنى اكتمال الصعود والاستقرار
قال تعالى:
﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ المؤمنون: 28
في هذه الآية لا يعني الاستواء مجرد ركوب السفينة، بل اكتمال الدخول إليها والاستقرار عليها والانتقال إلى حالة الأمان والتمكن بعد الخطر.
فالمعنى:
إذا استقررت أنت ومن معك على الفلك، وتمّ الانتقال من مرحلة التهديد إلى مرحلة النجاة، فقل: الحمد لله.
إذن الاستواء هنا هو تمام الاستقرار بعد الانتقال إلى موضع النجاة والتمكن.
الخلاصة الدلالية
من مجموع هذه الآيات يظهر أن الاستواء في القرآن يدور حول:
- اكتمال النضج: كما في بلوغ الأشد والاستواء.
- تمام التمكن: كما في الاستواء على ظهور الأنعام.
- الاستقرار والسيطرة: كما في الاستواء على الفلك.
وعليه فليس الاستواء مجرد حركة حسية، ولا مجرد جلوس، بل هو حالة اكتمال وتمكن واستقرار بحسب السياق.
ثانياً: الاستواء على العرش
قال تعالى في مواضع متعددة:
١– ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾
إذا طبّقنا الدلالة القرآنية السابقة على هذا التعبير، فإن معنى الاستواء هنا لا يكون جلوسًا ولا انتقالًا مكانيًا، لأن الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقات، وإنما المعنى:
تمام الاستحكام والهيمنة والتدبير على الملك كله.
فالعرش في السياق القرآني ليس كرسيًا ماديًا يُتصور عليه الجلوس، بل يدل على مقام الملك والسلطان والتدبير الأعلى.
فالاستواء على العرش يعني أن الخلق بعد إحكامه صار داخل نظام التدبير الإلهي الكامل، وأن سلطان الله محيط بكل شيء، لا ينازعه فيه أحد.
٢– ﴿ٱلرَّحْمَٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ سورة طه 5
الرحمن –سبحانه وتعالى- له السيطرة الكاملة، والتحكم في الكون كله. الاستواء على العرش يعني تمام السيطرة والإحكام والتمكن. والعرش ليس كرسيًا يُجلس عليه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنما هو كناية عن الملك والقدرة المطلقة. فعرش الرحمن يُمثل سلطانه وملكه الذي يحيط بكل شيء.
تنزيه الله عن التشبيه
لا يجوز حمل الاستواء على معنى الجلوس أو الاستقرار الجسدي، لأن ذلك يوقع في التشبيه، والله تعالى يقول:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ﴾ الشورى: 11
فكل معنى يُدخل الله في صورة مخلوقة، أو يجعله محتاجًا إلى مكان، أو جالسًا على جسم، فهو معنى مردود؛ لأن الله خالق المكان والزمان والعرش وكل شيء.
لذلك فاستواء الله على العرش هو: تمام الملك، وكمال السلطان، وإحكام التدبير، لا جلوسًا ولا انتقالًا ولا مشابهة للمخلوقات.
الخلاصة النهائية
الاستواء في القرآن يدل على الاكتمال والتمكن والاستقرار في موضع الفعل والتدبير.
١– فإذا قيل عن الإنسان: استوى، فالمعنى أنه اكتمل نضجه أو تمكن من موضعه.
٢– وإذا قيل عن المركوب: استوى عليه الإنسان، فالمعنى أنه تمكن منه واستقر عليه.
٣– أما إذا قيل: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ ، فالمعنى:
تمام سلطان الله على ملكه، وكمال تدبيره لخلقه، وإحكام أمر الوجود كله تحت قدرته، من غير جلوس ولا تشبيه ولا تمثيل.
ملاحظه: علاقة العرش بالخلق
قال تعالى:
﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ﴾ هود: 7
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ﴾ لا ينبغي أن يُفهم على صورة عرشٍ ماديّ محمول فوق ماء، فـ العرش في السياق القرآني يدل على سلطان الله وملكه وتدبيره الأعلى، كما يظهر في قوله: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ﴾. أما الماء فليس أصل كل موجود، بل هو أصل الحياة وموضع نشأتها، كما في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. لذلك فمعنى الآية أن سلطان الله وتدبيره كان قائمًا على أصل الحياة ومحيطًا بمجال تكوينها منذ بداية الخلق، فلا حياة ولا نشأة ولا تكوين خارج إحكامه وأمره.
و”على” هنا ليست بالضرورة فوقية مكانية، بل تدل على التمكن والإحاطة والسلطان، كما في قوله: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي قائمون على نظام هداية لا جالسون فوقه. فالمعنى أن الماء لم يكن حاملًا للعرش، بل كان مجالًا واقعًا تحت سلطان العرش وتدبيره؛ والعرش ليس جسمًا فوق الماء، بل هو رمز الملك الإلهي الحاكم، والماء هو أصل الحياة الذي جرى عليه حكم الله منذ البدء
تابعنا على التطبيق
أندرويد –تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن


