مقالات

هل يوجد في القرآن شيء اسمه: «مؤمن بالله»؟

قراءة في الفرق بين «المؤمن» و«مؤمن» وسقوط التركيب المصنوع «مؤمن بالله»

هل يوجد في القرآن شيء اسمه: «مؤمن بالله»؟

قراءة في الفرق بين «المؤمن» و«مؤمن» وسقوط التركيب المصنوع «مؤمن بالله»

المقدمة

تتكرر في بعض كتابات المتدبرين المعاصرين أسئلة تبدو في ظاهرها علمية، لكنها تنطلي غالبًا على من لم يتمكن بعد من ضبط لسان القرآن وبنيته الداخلية. ومن أمثلة ذلك سؤال أحدهم: ما الفرق بين «مؤمن» و«مؤمن بالله»؟

هذا السؤال لا يكشف فرقًا قرآنيًا، بل يصنع منذ البداية تركيبًا لم يأت به القرآن، ثم يطلب من النص أن يفسر الفرق بين مصطلح قرآني وآخر مُنشأ من خارج القرآن. فهو يفترض وجود صورتين: مؤمن ومؤمن بالله، ثم يبني عليهما تحليلًا كاملًا، مع أن الصورة الثانية لم ترد في كتاب الله أصلًا.

وعند تدبر القرآن لا يجوز إدخال مفردة أو تركيب لم يستعمله النص، ثم التعامل معه كأنه جزء من لسانه. فالقرآن وصف نفسه بأنه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، أي إن بناءه خالٍ من الخلل والالتواء، ووصفه بأنه ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾، أي إن مفرداته وتراكيبه تكشف دلالاتها من داخل نظامها القرآني وتبيّن موقعها ووظيفتها للمتدبر.

أما التركيب الذي لم يأت في القرآن، فقد يكون له استعمال ومعنى خارج النص، لكنه عند إدخاله في القرآن يصبح أعجميًا عن بنيته؛ لأنه غريب عن لسانه، لا يشهد له استعمال، ولا يملك داخله وظيفة دلالية يمكن البناء عليها. ومن ذلك تركيب «مؤمن بالله»؛ فهو ليس مصطلحًا قرآنيًا ناقص الشرح، بل تركيب لم ينشئه القرآن أصلًا، ولذلك لا قيمة له في استنباط المعنى القرآني، ولا يصح تأسيس فرق دلالي عليه.

فالقرآن لم يستعمل مرة واحدة وصف «مؤمن بالله»، وإنما بنى المفهوم عبر ثلاثة مستويات محددة، لكل واحد منها موقعه ووظيفته:

  • المؤمن: اسم من أسماء الله.
  • مؤمن: وصف للإنسان.
  • آمن بالله: فعل يصف وقوع الإيمان ودخوله.

ومن هنا لا يكون البحث الصحيح في الفرق بين «مؤمن» و «مؤمن بالله»؛ لأن الطرف الثاني غير موجود في القرآن، وإنما يكون في فهم البنية التي أقامها النص بين المؤمن و “مؤمن” وآمن بالله، وبيان لماذا اكتفى القرآن بهذه الصيغ، ولم ينشئ قط تركيبًا اسمه «مؤمن بالله».

أولًا: الأصل الدلالي للمادة هو الأمن

ومن المواضع الكاشفة للأصل الذي تدور حوله مادة (أ م ن) هو قول الله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ ، فالآية لا تتحدث عن العقيدة، ولا عن التصديق، وإنما عن الأمن.

فـ ﴿وَآمَنَهُم﴾ تعني: جعلهم في حالة أمن، وأزال عنهم أسباب الخوف التي كانت تهدد استقرارهم. وهنا تتضح الدلالة الأصلية للمادة: الأمن هو الأصل، وكل مشتقات المادة تدور حول إيجاد الأمن أو حفظه أو الدخول فيه.

ثانيًا: «المؤمن» اسمٌ لله

بعد بيان الأصل الدلالي، يعرّف القرآن الله بقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ… الْمُؤْمِنُ﴾ ، ومن هذا الاسم يتحدد الأصل الاصطلاحي للمفهوم . فـ المؤمن ليس وصفًا للبشر ابتداءً، وإنما اسمٌ لله سبحانه. أي: مصدر الأمن ، ومانح الأمان ، والقائم على نظامه ، والضامن لاستمراره.

ومن هذا الأصل تُفهم جميع الاستعمالات الأخرى.

ثالثًا: «مؤمن» وصفٌ لمن كانت مرجعيته الله

يستعمل القرآن لفظ «مؤمن» وصفًا للإنسان الذي صارت مرجعيته الله، فلا يكون اللفظ وصفًا عامًا لكل صاحب اعتقاد أو لكل من التزم نظامًا ما، ثم يحتاج بعد ذلك إلى قيد يحدد جهة إيمانه.

فحيثما وردت مفردة «مؤمن» في القرآن، كانت مرجعيته معلومة من داخل المصطلح نفسه، وهي الله. ولذلك لم يقل القرآن قط: «مؤمن بالله» لأن إضافة «بالله» لا تضيف إلى الوصف معنى جديدًا، بل تكرر ما يتضمنه أصلًا.

ومن هنا يكون الفرق بين الصيغتين:

  • المؤمن: اسم الله، بوصفه مصدر الأمن ومنشئ نظامه وضامن استمراره.
  • مؤمن: الإنسان الذي جعل الله مرجعيته، ودخل في نظام الأمن الذي أقامه المؤمن سبحانه.

فالعلاقة بين المؤمن ومؤمن علاقة أصل ووصف، وليست علاقة اسم ناقص يحتاج إلى إضافة.

رابعًا: الفرق بين «آمن بالله» و«مؤمن»

قال القرآن: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ ، لأن هذه صيغة فعلية تصف حركة الدخول في الإيمان، والفعل يحتاج إلى بيان الجهة التي اتجه إليها، ولذلك جاءت الباء مع لفظ الجلالة.

أما بعد تحقق هذا الدخول، فإن القرآن ينتقل إلى الوصف فيقول: “مؤمن” ، ولا يقول: “مؤمن بالله”. فالصيغة الأولى تصف فعل الدخول، أما لفظ «مؤمن» فيصف الحالة المستقرة الناتجة عنه.

وتؤكد آية الأعراب هذا الفرق: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. فالأعراب ادعوا وقوع فعل الإيمان، فجاء الرد على الفعل نفسه: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾، ثم وضعهم القرآن في مستوى الإسلام، ومنعهم من ادعاء الإيمان قبل دخوله في قلوبهم . وبذلك تكون البنية القرآنية واضحة:

  • آمن بالله: دخل في مرجعية الله.
  • مؤمن: استقرت عنده هذه المرجعية وصارت حاكمة عليه.

ولهذا لا وجود في القرآن لتركيب «مؤمن بالله»؛ لأن جهة الإيمان تُذكر مع الفعل، أما وصف «مؤمن» فقد حسم مرجعيته من داخله.

الخلاصة

يكشف الاستقراء القرآني عن بناء دلالي منضبط لا يجوز الخلط بين مستوياته. فالأصل الذي تتحرك فيه مادة الإيمان هو الأمن، كما في قوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾، ثم جاء اسم الله ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ بوصفه الأصل الذي يصدر عنه الأمن ويقوم به نظامه، ثم وُصف الإنسان بأنه مؤمن إذا تحقق فيه هذا الوصف. أما فعل الدخول في الإيمان فجاء بصيغته الخاصة: ﴿آمَنَ بِاللَّهِ﴾.

ومن هنا يتبين أن القرآن لا يعرف تركيبًا اسمه «مؤمن بالله» لأن الباء تأتي مع الفعل لتحديد جهة الإيمان، أما الاسم «مؤمن» فقد ورد مكتمل الدلالة، متضمنًا أن مرجعيته الله، فلم يحتج في أي موضع إلى إضافة «بالله» إليه. فحيثما ورد لفظ «مؤمن» كانت جهة مرجعيته محسومة من داخل المصطلح نفسه، لا من قيد يُضاف إليه من خارجه.

وعليه، فإن السؤال عن الفرق بين «مؤمن» و**«مؤمن بالله»** ليس سؤالًا بين اصطلاحين قرآنيين، بل بين لفظ قرآني ثابت وتركيب مصنوع من خارج النص. لذلك لا يصح تأسيس أي فرق دلالي أو نتيجة تدبرية على عبارة لم يستعملها القرآن أصلًا.

الجملة الفاصلة:

«مؤمن» اسم قرآني مكتمل الدلالة، أما «مؤمن بالله» فتركيب غير قرآني، فلا يُفسَّر به كتاب الله ولا تُبنى عليه فروق لم ينشئها النص.

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى